محمد جواد مغنية
102
في ظلال نهج البلاغة
الحاجات الذين لا يجدون عما ولا خالا يشكون اليه ، ولا كريما يزيح العقبات من طريق وصولهم إلى الحكام وذوي الشأن . . أبدا لا يرون إلا أعينا تزدريهم ، ولا يسمعون إلا ألسنا تهزأ بهم . . والإمام ينذر ويحذر الولاة والحكام من إهمال هذه الفئة ، وانه يجر عليهم أسوأ العواقب . . ان عدد البائسين لا يحصى كثرة ، ويستحيل أن يصبروا على الظلم . . ولا بد يوما أن يحطموا القيود ، ويرفعوا صيحات الغضب في وجوه الحكام الطغاة وأعوانهم . . ثم نصح الإمام عامله أن يعين أشخاصا من الأبرار المؤتمنين على مصاير الخلق ، يتفرغون للبحث عن أحوال الناس من ذوي الحاجات ، ويصغون لمطالبهم ، ويرفعونها اليه ، ليعمل على انجازها بالمعروف . وهكذا عاش علي بن أبي طالب ( ع ) العمر كله مع المساكين ، يشعر بآلامهم ويوصي بهم ، ويشاركهم في مكاره الدهر ، وبهذا كان وما زال معبود الجماهير ، والى آخر يوم . . وقد أثنى النبي ( ص ) على الإمام لصفته هذه ، وبشره بعلو المنزلة عند اللَّه ، وقال له : « يا علي ان اللَّه قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب اليه منها ، زينك بالزهد في الدنيا . . ووهب لك حب المساكين ، فجعلك ترضى بهم أتباعا ، ويرضون بك إماما » . وقال الأستاذ أحمد عبّاس صالح في كتاب « اليمين واليسار » : « كان علي أوسع شعبية ، وان الجماهير كانت من ورائه » . ( وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة إلخ ) . . أوصى الإمام أولا بكل ذي حاجة ، ثم خص الأيتام والشيوخ العجز ، لأنهم أولى بالرعاية ، وبالخصوص من لا يتصدى منهم للناس بالطلب والتسول ( وذلك على الولاة ثقيل ) قد يهون على الوالي أن يعفو ويحتمل الكلمة الموجعة ، ويختار وزراءه وموظفيه من الثقات الأمناء ، اما ان يتفقد الأرملة ويتيمها ، والمغمورين من أمثالها ، أما هذا فثقيل وصعب مستصعب على قلبه إلا إذا كان قويا في إيمانه تهون عليه الصعاب طلبا لمرضاة اللَّه ، وحسن الثواب . ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية ، كما قال الإمام : ( واجعل لذوي الحاجات منك قسما إلخ ) . . خصص من وقتك ساعات للمحاويج ، فإن ذلك رحمة من اللَّه ساقها إليك ، وذخر لك في يوم الحساب والجزاء ( وتقعد عنهم جندك وأعوانك إلخ ) . . افتح جميع أبوابك للذين لا حول لهم ولا قوة إلا بالحق والعدل ، ولا تجعل بينك وبينهم حجابا وحراسا ،